أبي حيان التوحيدي

202

المقابسات

وانوره ما أضاءك وسطع عليك وأسفر بك وجلّا عن حقيقتك ، وتحلى بعقيدتك ونحّى قشورك عنك ، وأبرز لبك منك ، وصقلك وصفاك وزينك ، وأبهجك ونورك ، وأهّلك لدرك حدّك ، وأحلك دار كرامتك وقرارك ، وصار ألصق بك من شعارك ودثارك ، هناك تبقى ولا تبلى ، وتغنى ولا تضنى ، هناك الواصل والموصول ، والعالم والمعلوم ، والعاقل والمعقول ، في فضاء الوحدة ، ومغانى القدس ، وخطة الراحة ، ومراد الطمأنينة ، والجدة والثقة والسكينة ، وعرصة إلهية لا تفرقة ولا تمييز ، ولا كثرة ولا اختلاط ، ولا تمازج ولا اختلاف ؛ حال تجل عن أمارات الحال ، وأمر يلطف عن رسوم الامر ، على هذا سكبت العبرات ، وطالت الزفرات ، أتظن أن الرّقىّ في سلاليم المعرفة ، والتناهي في غايات التوحيد ، هين سهل ، وقريب ممكن ؟ هيهات أن يكون ذلك كذلك ، ولكن لواحد بعد واحد ، يخص به الواحد ، في عالم بعد عالم ، وفي دور بعد دور وكان كلامه أطول من هذا وأشفى ، وهذا حاصل منه ، واللّه أسأل تقبله والوفاء به والقيام عليه 41 مقابسة [ في أن المغمض من الحكماء يدرك ما لا يدركه المحدق من الدهماء ] قال أبو الحسن العامري « 1 » : إن المغمض من أرباب الحكمة يدرك بفكره

--> ( 1 ) هو أبو الحسن محمد بن يوسف العامري النيسابوري . منطقي فيلسوف من أكابر فلاسفة الإسلام . وكان قيما بعلوم الأوائل معنيا بكتب أرسطو مغرما بها كثير الانكباب عليها ، وله عليها شروح وتعليقات ذات قيمة كبيرة ، ويظهر أن منشأه خراسان وقصد بغداد وأقام بها زمنا ، ثم قصد حضرة ابن العميد فلقى منه كل إكرام وإجلال وقرءا معا عدة كتب ، وأفاد كل منهما صاحبه . توفى سنة 381 ه .